أحمد زكي صفوت
16
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
محمدا رسول اللّه من الفضل ، وهو أحق الأولين والآخرين بالفضل كلّه ، قديمه وحديثه ، وصغيره وكبيره ، وقد واللّه بلّغ وأدّى ، ونصح وهدى ، حتى أنقذ اللّه به من الهلكة ، وأنار به من العمى ، وهدى به من الجهالة والضّلالة ، فجزاه اللّه أفضل ما جزى نبيّا عن أمته ، وصلوات اللّه عليه يوم ولد ، ويوم بعث ، ويوم قبض ، ويوم يبعث حيا ، وذكرت وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وتنازع المسلمين الأمر بعده ، وتغلّبهم على أبيك ، فصرّحت بتهمة أبى بكر الصديق ، وعمر الفاروق ، وأبى عبيدة الأمين ، وحوارىّ « 1 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصلحاء المهاجرين والأنصار ، فكرهت ذلك لك ، إنك امرؤ عندنا وعند الناس غير الظّنين ولا المسئ ولا اللئيم ، وأنا أحب لك القول السديد ، والذكر الجميل . إن هذه الأمة لما اختلفت بينها ، لم تجهل فضلكم ولا سابقتكم ولا قرابتكم من نبيكم ، ولا مكانكم في الإسلام وأهله ، فرأت الأمة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيها ، ورأى صلحاء الناس من قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس وعوامّهم أن يولّوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما ، وأعلمها باللّه ، وأحبّها له ، وأقواها على أمر اللّه ، فاختاروا أبا بكر ، وكان ذلك رأى ذوى الدين والفضل والناظرين للأمة ، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التّهمة ، ولم يكونوا متّهمين ، ولا فيما أتوا بالمخطئين ، ولو رأى المسلمون أن فيكم من يغنى غناءه « 2 » . ويقوم مقامه ، ويذبّ عن حريم الإسلام ذبّه ، ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه ، ولكنهم عملوا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام وأهله ، واللّه يجزيهم عن الإسلام وأهله خيرا . وقد فهمت الذي دعوتني إليه من الصلح ، والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلو علمت أنك أضبط منى للرعية ، وأحوط على هذه الأمة ، وأحسن سياسة ، وأقوى على جمع الأموال ،
--> ( 1 ) هو الزبير بن العوام ، والحوارى : الناصر أو ناصر الأنبياء . ( 2 ) الغناء : النفع ، وأغنى غناءه : أجزأ عنه وقام مقامه .